أبي بكر جابر الجزائري

573

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

واستهزاء منهم لا انهم يعتقدون حلم شعيب ورشده وإن كان في الواقع هو كما قالوا حليم رشيد إذ الحليم هو الذي لا يحمله الغضب أن يفعل ما لا يفعله في حال الرضا والرشيد خلاف السفيه الذي لا يحسن التصرف في المال وغيره هذا ما تضمنته الآية الأولى ( 87 ) وأما الآيات الثلاث بعدها فقد تضمنت رد شعيب عليه السّلام على مقالتهم السابقة إذ قال يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي على برهان وعلم يقيني بألوهيته ومحابه ومساخطه ووعده لأوليائه ووعيده لأعدائه ، ورزقي منه رزقا حسنا أي حلالا طيبا أخبروني فهل يليق بي أن أتنكر لهذا الحق والخير وأجاريكم على باطلكم . اللهم لا ، وشيء آخر وهو أني ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه فإني لا آمركم بتوفية الكيل والوزن وأنقصها ولا بترك عبادة الأوثان وأعبدها ، ولا أنهاكم عن كسر الدراهم « 1 » وأكسرها فأكون كمن يأمر بالشيء ولا يفعله ، وينهى عن الشيء ويفعله فيستحق اللوم والعتاب ونزع الثقة منه ، وعدم اعتباره فلا يؤخذ بقوله ولا يعمل برأيه . وأمر آخر هو أني ما أريد بما أمرتكم به ولا بما نهيتكم عنه إلا الإصلاح لكم ما استطعت ذلك وقدرت عليه . وما توفيقي في ذلك إلا باللّه ربّي وربكم عليه توكلت في أمري كله وإليه وحده أنيب أي أقبل بالطاعة وأرجع بالتوبة . ثم ناداهم محذرا إياهم من اللجاج والعناد فقال : وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ أي لا يحملنكم شقاقي أي خلافي على الاستمرار في الكفر والعصيان فيصيبكم عذاب مثل عذاب قوم نوح وهو الغرق أو قوم هود وهو الريح المدمرة أو قوم صالح وهو الصيحة المرجفة وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ في الزمن والمكان وقد علمتم ما حل بهم من دمار وخراب . أي لا يحملنكم شقاقي وعداوتي على أن ينزل بكم العذاب ، واستغفروا ربكم مما أنتم عليه من الشرك والمعاصي ، ثم توبوا إليه بالطاعة ، إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ لا يعذب من تاب إليه ودود « 2 » يحب من أناب إليه . هداية الآيات : من هداية الآيات : 1 - التعريض القريب يعطي حكم القذف الصريح . 2 - كراهية إتيان الشيء بعد النهي عنه ، وترك الشيء بعد الأمر به والحث عليه .

--> ( 1 ) لا خلاف في أن من كسر الدراهم أو بردها ليأخذ منها قد أفسد واقترف ما يستوجب العقوبة وهل هي ضرب وتعزير أو قطع يد خلاف وما يراه الحاكم كافيا في الردع أجزأ ولا فرق في الكسر والبرد بين الدنانير والدراهم . ( 2 ) مأخوذ من قول قوم شعيب له : إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ وهم يعنون الأحمق السفيه . فمن قال لرجل في حال النزاع أنت الطيب الطاهر فإنه يعرض به بأنه الخبيث الزاني فيحد حد القذف .